فصل: الفصل الرابع: بيع العينة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.الفصل الرابع: بيع العينة:

أ- تعريف العينة:
العينة: هي أن يبيع شيئا من غيره بثمن مؤجل ويسلمه إلى المشتري، ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن نقد أقل من ذلك القدر.
قلت: ومثال ذلك: أن يبيع شخص سلعة على شخص آخر بمبلغ مائة ريال مؤجلة لمدة سنة، ثم في نفس الوقت يشتري البائع سلعته من المشتري بمبلغ خمسين ريالا نقدا وتبقى المائة في ذمة المشتري الأول!
ب- بعض ما ورد في ذلك من النصوص:
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» وللحديث روايات أخرى.
وقد ذهب إلى عدم جواز بيع العينة، جمع من العلماء منهم: الإمام مالك بن أنس، والإمام أبو حنيفة، والإمام أحمد، والهادوية، وبعض الشافعية.
قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: ومن المعلوم أن العينة عند من يستعملها إنما يسميها بيعا، وقد اتفقا- أي البائع والمشتري- على حقيقة الربا الصريح قبل العقد، ثم غير اسمها إلى المعاملة وصورتها إلى التبايع الذي لا قصد لهما فيه البتة إنما هو حيلة ومكر، وخديعة لله. فمن أسهل الحيل على من أراد فعله، أن يعطيه مثلا: ألفا إلا درهما باسم القرض، ويبيعه خرقة تساوي درهما بخمسمائة درهم. وقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات». أصل في إبطال الحيل. فإن من أراد أن يعامله معاملة يعطيه فيها ألفا بألف وخمسمائة؛ إنما نوى بالإقراض تحصيل الربح الزائد الذي أظهر أنه ثمن الثوب، فهو في الحقيقة أعطاه ألفا حالة بألف وخمسمائة مؤجلة، وجعل صورة القرض وصورة البيع محللا لهذا المحرم، ومعلوم أن هذا لا يرفع التحريم، ولا يرفع المفسدة التي حرم الربا لأجلها بل يزيدها قوة، وتأكيدا من وجوه، منها: أنه يقدم على مطالبة الغريم المحتاج من جهة السلطان والحكام إقداما لا يفعله المربي؛ لأنه واثق بصورة العقد الذي تحيل به.

.الباب الثالث: ما يجوز فيه التفاضل والنسيئة:

الفصل الأول: ما يجوز فيه التفاضل والنساء.
الفصل الثاني: الصرف وأحكامه.
الفصل الثالث: الحث على الابتعاد عن الشبهات.

.الفصل الأول: ما يجوز فيه التفاضل والنساء:

أ- جواز التفاضل إذا انتفت العلة:
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: أجمع العلماء على جواز بيع ربوي بربوي لا يشاركه في العلة متفاضلا، ومؤجلا؛ وذلك كبيع الذهب بالحنطة، وبيع الفضة بالشعير، وغيره من المكيل.
وأجمعوا كذلك على أنه يجوز التفاضل عند اختلاف الجنس إذا كان يدا بيد؛ كصاع حنطة بصاعي شعير، ولا خلاف بين العلماء في شيء من هذا.
ب- جواز التفاضل في غير المكيلات والموزونات:
قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب بيع العبد، والحيوان بالحيوان نسيئة.
قلت: اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة؛ فذهب الجمهور من علماء الأمة إلى الجواز واحتجوا بحديث عبد الله بن عمرو ابن العاص، فعنه رضي الله عنه قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أبعث جيشا على إبل كانت عندي، قال: فحملت الناس عليها حتى نفدت الإبل، وبقيت بقية من الناس لا ظهر لهم قال: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ابتع علينا بقلائص من إبل الصدقة إلى محلها حتى نفذ هذا البعث» قال: فكنت أبتاع البعير بالقلوصين والثلاث من إبل الصدقة إلى محلها. حتى نفذ ذلك البعث قال: فلما حلت الصدقة أداها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن جابر رضي الله عنه قال: جاء عبد فبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الهجرة، ولم يشعر أنه عبد، فجاء سيده يريده فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «بعنيه» فاشتراه بعبدين أسودين، ثم لم يبايع أحدا بعد، حتى يسأله «أعبد هو؟».
وهذا فيه جواز بيع عبد بعبدين سواء كانت القيمة متفقة أو مختلفة، وهذا مجمع عليه إذا بيع نقدا، وكذا حكم سائر الحيوانات.
فإن باع عبدا بعبدين، أو بعيرا ببعيرين إلى أجل فالراجح الجواز كما سبق. وهذا هو مذهب الشافعي والجمهور.
فظهر مما تقدم أن الراجح في بيع الحيوان بالحيوان متفاضلا، ونسيئة هو الجواز. والآثار عن بعض الصحابة والتابعين تدل على جواز ذلك. قال البخاري رحمه الله في صحيحه:
1- «اشترى ابن عمر راحلة بأربعة أبعرة مضمونة عليه، يوفيها صاحبها بالربذة».
2- واشترى رافع بن خديج بعيرا ببعيرين، أعطاه أحدهما وقال: آتيك بالآخر غدا رهوا إن شاء الله.
3- وقال ابن عباس: قد يكون البعير خير من البعيرين.
4- وقال ابن المسيب: لا ربا في البعير بالبعيرين، والشاة بالشاتين إلى أجل.

.الفصل الثاني: الصرف وأحكامه:

أ- المراطلة:
المراطلة: مفاعلة من الرطل.
وهي عرفا: بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضلة وزنا.
قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: الأمر عندنا في بيع الذهب بالذهب، والورق بالورق مراطلة.
إنه لا بأس بذلك؛ أن يأخذ أحد عشر دينارا بعشرة دنانير، يدا بيد؛ إذا كان وزن الذهبين سواء عينا بعين، وإن تفاضل العدد، والدراهم أيضا في ذلك بمنزلة الدنانير.
فعلى هذا فالمعتبر في بيع الذهب بالذهب، وبيع الورق بالورق هو الوزن لا العدد. فلو كان عند رجل عشر قطع من الذهب ثم باعها بخمس قطع من الذهب، والوزن لعشر القطع يساوي وزن خمس القطع، فهذا جائز وهذا ما قصده الإمام مالك بالمراطلة.
ب- الصرف:
لا شك أن الصرف مما يحتاج إليه الناس، لتحويل العملات من عملة إلى عملة أخرى، فلما كان الأمر كذلك لم يغفله الإسلام؛ بل أوضحه للناس، الجائز منه وغير الجائز.
عن مالك بن أوس بن الحدثان أنه قال: أقبلت أقول: من يصطرف الدراهم. قال طلحة بن عبيد الله- وهو عند عمر بن الخطاب- أرنا ذهبك، ثم ائتنا إذا جاء خادمنا نعطيك ورقك، فقال عمر ابن الخطاب: كلا والله لتعطينه ورقه أو لتردن إليه ذهبه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الورق بالذهب ربا إلا هاء، وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء، وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء، وهاء».
قال الإمام النووي رحمه الله: قال العلماء: ومعناه التقابض ففيه اشتراط التقابض في بيع الربوي بالربوي إذا اتفقا في علة الربا. سواء اتفق جنسهما كذهب بذهب، أم اختلف كذهب بفضة، ونبه صلى الله عليه وسلم بمختلف الجنس على متفقه... وأما طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه عندما أراد أن يصارف صاحب الذهب، فيأخذ الذهب ويؤخر دفع الدراهم إلى مجيء الخادم، فإنما قاله؛ لأنه ظن جوازه كسائر المبيعات وما كان بلغه حكم المسألة، فأبلغه إياه عمر رضي الله عنه فترك المصارفة.
وعن سفيان بن عيينة عن عمرو عن أبي المنهال قال: باع شريك لي ورقا بنسيئة إلى الموسم، أو إلى الحج، فجاء إلي فأخبرني فقلت: هذا أمر لا يصلح قال: قد بعته في السوق فلم ينكر ذلك علي أحد. فأتيت البراء بن عازب فسألته. فقال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، ونحن نبيع هذا البيع، فقال: «ما كان يدا بيد فلا بأس به، وما كان نسيئة فهو ربا» وائت زيد بن أرقم فإنه كان أعظم تجارة مني، فأتيته، فسألته، فقال مثل ذلك.
قال البخاري رحمه الله: باب بيع الذهب بالورق يدا بيد. ثم ذكر حديث أبي بكرة رضي الله عنه «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الفضة بالفضة والذهب بالذهب إلا سواء بسواء. وأمرنا أن نبتاع الذهب بالفضة كيف شئنا، والفضة بالذهب كيف شئنا».
وروى البخاري رحمه الله تعالى عن البراء بن عازب وزيد بن أرقم رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: «نهى عن بيع الذهب بالورق دينا».
ومن الأحاديث السابقة اتضح لنا ما يأتي:
1- أن صرف الفضة بالفضة، والذهب بالذهب جائز. على أن يكون الصرف مثلا بمثل، وسواء بسواء، ويكون ذلك يدا بيد أثناء وقت المصارفة.
2- أن صرف الذهب بالفضة، والفضة بالذهب جائز، على أن يكون الصرف يدا بيد في وقت المصارفة، أما المفاضلة بين الذهب والفضة بحيث يكون الذهب أكثر من الفضة وزنا، أو الفضة أكثر من الذهب وزنا فلا مانع من ذلك، لكن بشرط أن يكون يدا بيد في لحظة المصارفة.
3- أن شراء وبيع الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة، أو الذهب بالفضة، أو الفضة بالذهب، لا يجوز الدين في ذلك مطلقا، فلو أراد شخص أن يصرف من المصرف عملة من الذهب بعملة من الذهب، وسلم أحدهما عملته والآخر أجل تسليم عملته إلى أجل فهذا لا يجوز، لأنه فقد شرط المقابضة يدا بيد. وكذلك الفضة بالفضة والذهب بالفضة والعكس كل ذلك لا يجوز فيه الدين مطلقا.

.الفصل الثالث: الحث عن الابتعاد عن الشبهات:

لا شك أن المسلم دائما ينبغي أن يكون حريصا على التزام أمور الشرع كلها، فيعمل الواجبات، ويترك المحرمات، والمكروهات، ويأخذ بالمستحبات، ويأخذ ويترك من المباحات على حسب حاله، وحاجته، ويبتعد عن الشبهات، لعلمه بأن الشبهات تؤدي إلى المحرمات.
عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول- وأهوى النعمان بإصبعه إلى أذنيه-: «إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه، وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيها، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».
قال الإمام النووي رحمه الله: أجمع العلماء على عظم وقع هذا الحديث، وكثرة فوائده، وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام. قال جماعة: هو ثلث الإسلام، وإن الإسلام يدور عليه، وعلى حديث: «الأعمال بالنية» وحديث: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».
وقال أبو داود: الإسلام يدور على أربعة أحاديث: هذه الثلاثة، وحديث: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
وقيل حديث: «ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس».
قال العلماء: وسبب عظم موقعه أنه صلى الله عليه وسلم نبه فيه على إصلاح المطعم، والمشرب، والملبس، وغيرها، وأنه ينبغي ترك المشتبهات، فإنه سبب لحماية دينه، وعرضه، وحذر من مواقعة الشبهات، وأوضح ذلك بضرب المثل: بالحمى. ثم بين أهم الأمور وهو مراعاة القلب... فبين صلى الله عليه وسلم أن بصلاح القلب يصلح باقي الجسد، وبفساده يفسد باقيه.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «الحلال بين والحرام بين» فمعناه أن الأشياء ثلاثة أقسام:
حلال بين واضح. لا يخفى حله كالخبز، والعسل.
وأما الحرام البين فكالخمر، والخنزير، والكذب.
وأما المشتبهات: فمعناه أنها ليست بواضحة الحل، ولا الحرمة فلهذا لا يعرفها كثير من الناس، ولا يعلمون حكمها، وأما العلماء فيعرفون حكمها، بنص أو قياس، أو استصحاب، أو غير ذلك....
وقد نقل الحافظ ابن حجر رحمه الله قول بعضهم:
عمدة الدين عندنا كلمات ** مسندات من قول خير البرية

اترك الشبهات وازهد ودع ** ما ليس يعنيك واعملن بنية

نسأل الله أن يعصمنا مما يغضبه، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى إنه ولي ذلك والقادر عليه.